أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

الإيضاح ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) أي دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ، وعلى النعم التي أنعمها عليهم ربهم في أجسامهم وعقولهم ومطاعمهم ومشاربهم ، ما ذا عملوا فيها ؟ هل أطاعوه فيها فانتهوا إلى أمره ونهيه ؟ أو عصوه فخالفوا أمره فيها ، وهم في هذه الحياة في غفلة عما يفعل اللّه بهم يوم القيامة ، ومن ثم تركوا الفكر والاستعداد لهذا اليوم والتأهب له ، جهلا منهم بما هم لاقوه حينئذ من عظيم البلاء وشديد الأهوال ؛ وآثر بيان اقتراب هذا اليوم مع أن الكلام مع المشركين المنكرين للبعث ، للإشارة إلى أن البعث لا ريب فيه ، وأن الذي يرجى بيانه ذكر ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب على وجه أكيد ونهج سديد . وخلاصة ذلك - أنه قد دنا وقت الساعة وهم غافلون عن حسابهم ، ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ، مع أن قضية العقل تقضى بجزاء المحسن والمسئ ، وإذا هم نبّهوا من غفلتهم بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا ، وسدوا أسماعهم عن سماعه . ثم ذكر ما يدل على غفلتهم وإعراضهم بقوله : ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) أي ما ينزل اللّه من قرآن ويذكّرهم به إلا استمعوه وهم لاهون لاعبون مستهزءون . والخلاصة - إنه ما جدد لهم الذكر وقتا فوقتا ، وكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون ، إلا زادهم ذلك سخرية واستهزاء . وفي هذا ذم لأولئك الكفار وزجر لغيرهم عن مثله ، فالانتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإلا حصل مجرد الاستماع الذي تشارك البهيمة فيه الإنسان